Page 112 - web
P. 112
ونتيجة لهذا التأثير التبادلي الكبير بين الأدب والجريمة والأمن ،اتجهت أدب 112
المؤسسة الأمنية في أمريكا لإنتاج أفلام وثائقية من قضايا حقيقية ،ونشرت
سلسلة أفلام بعنوان «ملفات مكتب التحقيقات الفيدرالي ( ”FBIبدأ النشر منذ الجريمة
،)1996وقد أسهمت في تحسين الصورة الذهنية الشعبية لنشاطها ،كما ظهر
اتجاه جديد في السعودية حول تحويل الملفات الأمنية الواقعية إلى أفلام ،وأنتج تعد الروايات والأفلام منج ًما
فيلم «حصار مكة» (عرض ،)2019وهو يحكي قصة حدثت عام ،1979ومسلسل ضخ ًما للعلوم الاجتماعية
«رشاش» (عرض ،)2021وهو يحكي قصة واقعية حدثت عام ،1987وقد أثرت في
والإنسانية والأمنية ودراسات
المجتمع وتضمنت نقلاً فن ًيا لوجهة النظر الأمنية. الجريمة
وهذا يلفت الانتباه إلى توسيع نطاق إنتاج الروايات والأفلام لتشمل القصص
المثيرة في المجتمع ،وخاصة ظاهرة بناء الثروات وتحولاتها ،وحروب الشركات
الكبرى والاحتكار ،وما تتضمنه من عوالم غسل الأموال والجرائم المالية
والاستثمارات الوهمية لسرقة الشعوب.
يساعدنا جورج لوكاش في «نظرية الرواية» على فهم شروط الرواية الجيدة
المتمثلة في إبراز حالات العقل والأحداث ،وينبغي أن تتقدم الأحداث ببطء ،وأن
تركز على مشاعر البطل ،وأن يكون البطل سلب ًيا وغير نشط إلى أعلى مستوى؛
وذلك بهدف إبراز صورة العالم المتعاظمة من حوله وعلاقته بها ،كما أن البطل
النشط يدفع بأحد التناقضات في المجتمع إلى أقصى حد .وهذه الفضاءات تسهم في
فهم نفسية المجرم ورؤيته للحياة وللعالم ولجوئه لتبرير سلوكه حتى تخف حدة
التناقضات في داخله ،مما يؤكد أن العلوم الاجتماعية عليها أن تستمد من أدب
الرواية والأفلام مادة اجتماعية ونفسية وقانونية ثرية ،وتحويلها إلى مناهج عمل
في المؤسسة الأمنية والعدلية.
وقد كانت الرواية صناعة نخبوية ،ولا يكاد يكتبها إلا أصحاب الطبقة
العليا ،وبرز نوع من أدب المهجر في القرن العشرين بعدما اشتدت
القبضة الأمنية في الشعوب العربية ،وصار الأدباء يكتبون الروايات
والقصص والأشعار؛ إما للمقارنة بين مجتمعين أو الحنين إلى الوطن،

